ابن أبي الحديد
391
شرح نهج البلاغة
أسلم أكثر الناس بمجرد سماع كلامه ورؤيته ومشاهدة روائه ومنظره ، وما ذاقوه من حلاوة لفظه وسرى كلامه في آذانهم ، وملك قلوبهم وعقولهم ، حتى بذلوا المهج في نصرته ، وهذا من أعظم معجزاته عليه السلام ، وهو القبول الذي منحه الله تعالى ، والطاعة التي جعلها في قلوب الناس له ، وذلك على الحقيقة سر النبوة ، الذي تفرد به صلوات الله عليه ، فكيف يروم أمير المؤمنين من الناس أن يكونوا معه كما كان آباؤهم وإخوانهم مع النبي صلى الله عليه وآله ، مع اختلاف حال الرئيسين وتساوى الأثرين كما يعتبر في تحققه تساوى حال المحلين ، يعتبر في حقيقته أيضا تساوى حال العلتين . ثم نعود إلى التفسير ، قال : ( ولقد نزلت بكم البلية ) ، أي المحنة العظيمة ، يعنى فتنة معاوية وبنى أمية . وقال : ( جائلا خطامها ) ، لان الناقة إذا اضطرب زمامها استصعبت على راكبها ، ويسمى الزمام خطاما لكونه في مقدم الانف ، والخطم من كل دابة : مقدم أنفها وفمها ( 1 ) ، وإنما جعلها رخوا بطانها ، لتكون أصعب على راكبها ، لأنه إذا استرخى البطان كان الراكب في معرض السقوط عنها ، وبطان القتب هو الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير . ثم نهاهم عن الاغترار بالدنيا ومتاعها ، وقال : إنها ظل ممدود إلى أجل معدود ، وإنما جعلها كالظل لأنه ساكن في رأى العين وهو متحرك في الحقيقة ، لا يزال يتقلص ، كما قال تعالى : ( ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ) ( 2 ) وهو أشبه شئ بأحوال الدنيا . وقال بعض الحكماء : أهل الدنيا كركب سير بهم وهم نيام .
--> ( 1 ) ج : ( أنفه وفمه ) . ( 2 ) سورة الفرقان 56 .